بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَن الرَّحِيمْ
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينْ والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سيِّدِ المُرْسَلَيِن وَعَلَى آلِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى دَرْبِهِ بِإحْسَانٍ الَى يَوِمِ الدِّينْ أمَّا بَعَدْ :
فَإنِّي أُقَدِّمُ لِلْعَالَم تُرَاثَ رَجُلٍ سِيَاسِيٍ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّد، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَالِهِ وَسَلَّمْ، عَاشَ وَمَاتَ فِي القَرْنِ العِشْرِينْ، عَصْرِ ادْبَارِ الإسْلَام وَإقْبَالِ عَصْرِ العَلْمَانية بِصُوَرِهَا المُخْتَلِفَة. ذَلِكُمْ هُوَ الشَّيْخ مُحَمَّدْ تَقِّي الدِّين بِنْ ابْرَاهِيم النَّبْهَانِي، لا يُضِيرُهُ أنْ لا يُنْصِفُهُ قَوْمُهُ أَوْ جِيلُِهُ، أَوْ حَتَّى لا تُنْصِفُهُ أُمَّتُهُ. وَلا يُقَلِّلُ مِنْ شَأنِهِ الاِزْوِرَارُ عَنْ جُهْدِهِ الكَبير المُتَواصِل عَبْرَ حَيَاتِهِ وَبِخَاصَّة رُبْع القَرْن الأَخِير مِنْ حَيَاتِهِ، وَمَا قَدَّمَهُ لاُمَّتِهِ وَلِدِينِهِ فِي بَلْوَرَتِهِ لِلْفِكْرَةِ والطَّريقَةِ فِي الإِسْلام فِي العَصْرِ الرَاهِن. فَلَمْ أَسْمَعْ، وَلَمْ أَقْرَأ، وَلَمْ أَعْلَمْ عَنْ شَيءٍ مِنْ هَذا القَبيل قَبْلَ هَذا. وَلا أُبَالِغ إذَا قُلْتُ لَمْ أَرَ عَبْقَرِيَّا يَفْرِي فَرِيَّهُ فِي القَرْن العِشْرِين وَحَتَّى يَومِنا هَذا. ذلِكُم الرَّجُل الَّذي ابْتَغى سَبيلَ رَبِّهِ وَلَم يَبْتَغِ رِضَىً غَير رِضا الله عَزَّ وَجَلّ. فَلا يَقَعُ أَجْرُهُ إلّا عَلى الله. وَنِعْمَ الأجْرُ وَنِعْمَ العَاقِبَة. وَمَنْ أَرَادَ أنْ يَنهَضَ – أفْرادا أَو جَماعات أَو شُعوباً أَو أُمَما - نَهضَةً مُستنيرةً فَما عَليهِ إلا أنْ يَبْلُغ مُبتَغاهُ جاهزا في تُراث فِكْر هذا الرَّجُل. وها هو جُلُّ تُراثِه بين يَدي الصَّديق والعَدُو، وبَين يَدي التَّقِي والفاسِق والفاجِر والكافِر، لا يَخْفَى مِنْهُ شَيءٌ، وانْ كانَ لَيسَ كامِلا لانَّهُ جُهْدٌ فَرْديٌ قاصِرٌ، الا أنّ فِيهِ الغُنْيَةَ لِمَنْ أرادَ حُسْنَ العاقِبَة في الدُّنْيا والآخِرَة. كَيفَ لا وهُو تُراث فِكْرِي مَنْبَعُهُ القُرْآنُ الكَريمُ والسُّنْة النَّبَويَّة الشَّريفَة. ولا سَعادَةَ للبَشَريَُة الا بِما صَلُحَ عَليهِ أمْر الدُّنيا مُنْذُ أن أُنْزِلَ عَلى آخرِ الأنْبِياء وخاتمهُم حَتَّى تَقوم السَُاعة. وَمَنْ شَاءَ فَلْيُقْبِلْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُدْبِرْ وما ربّك بظلّام لِلْعَبيد. ويا حَسْرَةً على العِباد الّذِينَ لا يَبْذلُون جُهْدَهُم لآخِرَتِهِم، وَلا يَتَّعِظُون بِمَّن سَبَقهُم، ويَبْخَسُونَ النَّاسَ أشْياءَهُم. وصَدَقَ الله العَظِيم (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ). وهَنيئا لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحا ثُمَّ اهْتَدَى، والعاقِبَةُ لِلْتًقْوَى. وآخرُ دَعْوانا أن الحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العالَمِين.
محمد تقي الدين بن إبراهيم النبهاني
ثمان و عشرون كتابا و كتيّبا طبعت في حياته غير الاف النشرات القيمة التي يصعب إحصاؤها